عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي
411
مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي
فهذا الَّذِي ذكره الفُضيل من علامات النُّصح والتعيير هو أن النُّصح يقترنُ به السترُ ، والتَّعيير يقترنُ به الإعلانُ ، وكان يقال : " من أمر أخاهُ عَلَى رؤوس الملأ فقد عيَّره ، أو هذا المعنى . وكان السَّلفُ يكرهون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عَلَى هذا الوجه ، ويُحبُّون أن يكون سرًّا فيما بين الآمر والمأمور ، فإن هذا من علامات النُّصح ، فإن الناصح ليس له غَرَضٌ في إشاعة عُيوب من ينصحُ له ، وإنما غرضُهُ إزالةُ المفسدةِ التي وقع فيها . وأما الإشاعة وإظهار العيوب فهو ممَّا حرمه الله ورسوله ، قال تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا } ( 1 ) الآيتين . والأحاديث في فَضْل السرِّ كثيرة جدًا . وقال بعضُ العُلَمَاء لمن يأمر بالمعروف : " اجتهد أن تستر العُصاة ، فإن ظهور عوراتهمْ وَهَنٌ في الإسلام ، وأحقُّ شيءٍ بالستر : العَوْرة " . فلهذا كان إشاعةُ الفاحشة مُقترنة بالتعيير ، وهُما من خِصَال الفُجار ، ولأن الفاجر لا غَرَض له في زوال المفاسد ولا في اجتناب المؤمن للمعائب والنقائص ، إِنَّمَا غَرَضُهُ في مُجردِ إشاعة العيب في أخيه المؤمن ، وهتْك عرضه ، فهو يُعيد ذلك ويُبديه ، ومقصودُهُ تنقُّص أخيه المؤمن في إظهار عُيوبه ومساوئه للناس ليُدخلَ عليه بذلك الضَّرَرَ في الدُّنْيَا . وأما الناصحُ فَغَرضُهُ بذلك إزالةُ عيب أخيه المؤمن باجتنابه له ، وبذلك وَصَفَ اللهُ تعالى رسوله - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ : { لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ . . . } ( 2 ) الآية . ووصف بذلك أصحابه فَقَالَ : { مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ } ( 3 ) .
--> ( 1 ) النور : 19 - 20 . ( 2 ) التوبة : 128 . ( 3 ) الفتح : 29 .